الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
440
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يخشون الخروج من ديارهم ويخافون أن يحدق بهم الموت بسبب الأعداء أو الجوع أو العوامل الأخرى التي تهددهم . . . إضافة إلى فراق الأحبة والمتعلقين والأبناء والأصدقاء ، فإن القرآن يردهم بجواب جامع قائلا : كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون . فهذه الدنيا ليست بدار بقاء لأي أحد ، فبعض يمضي عاجلا ، وبعض يتأخر ، ولابد أن يذهبوا جميعا ، وعلى كل حال ففراق الأحبة والأبناء والأقارب لابد أن يقع ويتحقق ، فعلام يبقى الإنسان في ديار الشرك من أجل المسائل العابرة . . وأن يحمل عب ء الذل والأسر على كاهله ، أكل ذلك من أجل أن يبقى بضعة أيام أو أكثر ؟ ! ثم بعد هذا كله ينبغي أن تخافوا أن يدرككم الموت في ديار الكفر والشرك قبل أن تبلغوا دار الاسلام ، فما أشد ألم مثل هذا الموت وما أتعسه ! ثم لا تظنوا أن الموت نهاية كل شئ ، فالموت بداية لحياة الإنسان الأصلية ، لأنكم جميعا إلينا ترجعون . . إلى الله العظيم ، وإلى نعمه التي لاحد لها ولا انتهاء لأمدها . والآية التالية تبين جانبا من هذه النعم فتقول : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار ( 1 ) . فهم في قصور تحيط بها أشجار الجنة من كل جانب ، الأنهار المختلفة التي لكل منها طعمه ولونه ، طبقا لآيات القرآن الاخر ، وهي ما بين الأشجار وتحت تلك القصور جارية أبدا . . ( لاحظوا أن " غرف " جمع غرفة ، ومعناها البناء المرتفع المشرف على أطرافه ) . والامتياز الآخر لغرف الجنة أنها ليست كغرف الدنيا وقصورها ومنازلها التي ما أن يضع الإنسان فيها قدمه حتى يسمع نداء " الرحيل " ، فغرف الجنة دائمة
--> 1 - " لنبوئنهم " من مادة " تبوئة " على زنة " تذكرة " معناها إعطاء السكنى للإقامة والبقاء الدائم .